محمد بن جرير الطبري

78

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وكبراؤهم لها خاضعين ، وقال : أحب إلي من هذين الوجهين في العربية أن يقال : إن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون ، فجعلت الفعل أولا للأعناق ، ثم جعلت خاضعين للرجال ، كما قال الشاعر : على قبضة مرجوة ظهر كفه * فلا المرء مستحي ولا هو طاعم فأنث فعل الظهر ، لان الكف تجمع الظهر ، وتكفي منه ، كما أنك تكتفي بأن تقول : خضعت لك ، من أن تقول : خضعت لك رقبتي ، وقال : ألا ترى أن العرب تقول : كل ذي عين ناظر وناظرة إليك ، لان قولك : نظرت إليك عيني ، ونظرت إليك بمعنى واحد بترك كل ، وله الفعل وبرده إلى العين ، فلو قلت : فظلت أعناقهم لها خاضعة ، كان صوابا . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال ، وأن يكون معنى الكلام : فظلت أعناقهم ذليلة ، للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء ، وأن يكون قوله خاضعين مذكرا ، لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق ، فيكون ذلك نظير قول جرير : أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال وذلك أن قوله : مر ، لو أسقط من الكلام ، لأدى ما بقي من الكلام عنه ولم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه ، وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله : فظلت أعناقهم ، لأدى ما بقي من الكلام عنها ، وذلك أن الرجال إذا ذلوا ، فقد ذلت رقابهم ، وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا . فإن قيل في الكلام : فظلوا لها خاضعين ، كان الكلام غير فاسد ، لسقوط الأعناق ، ولا متغير معناه عما كان عليه قبل سقوطها ، فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق ، وإن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم ، إذا كان الاسم المبتدأ به ، وما أضيف إليه يؤدي الخبر كل واحد منهما عن الآخر . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ) * .